أبي الفرج الأصفهاني

473

الأغاني

الذي كانوا يسرقون فيه - ثم انتبه ، فالتفت ، فلم ير جمله ، فنزل وعقل راحلته ، ومضى في طلب الجمل ، ودرت فحللت عقال ناقته ، وسقتها . فقالوا لأبي حردبة : ويحك ! فحتّام تكون هكذا ! قال : اسكتوا ، فكأنكم بي وقد تبت ، واشتريت فرسا ، وخرجت مجاهدا ، فبينا أنا واقف إذ جاءني سهم كأنه قطعة رشاء ، فوقع في نحري ، فمتّ شهيدا . قال : فكان كذلك : تاب ، وقدم البصرة ، فاشترى فرسا ، وغزا الروم ، فأصابه سهم في نحره فاستشهد . ثم قالوا لشظاظ : أخبرنا أنت بأعجب ما أخذت في لصوصيتك ، ورأيت فيها ، فقال : نعم كان فلان ( رجل من أهل البصرة ) له ينت عم ذات مال كثير ، وهو وليّها ، وكانت له نسوة ، فأبت أن تتزوّجه ، فحلف ألا يزوّجها من أحد ضرارا لها ، وكان / يخطبها رجل غني من أهل البصرة ، فحرصت [ 1 ] عليه ، وأبى الآخر أن يزوّجها منه ، ثم إنّ وليّ الأمر حجّ ، حتى إذا كان بالدوّ [ 2 ] - على مرحلة من البصرة حذاءها ، قريب منه جبل يقال له سنام ، وهو منزل الرفاق إذا صدرت أو وردت - مات الوليّ ، فدفن برابية ، وشيّد على قبره ، فتزوجت الرجل الذي كان يخطبها . قال شظاظ : وخرجت رفقة من البصرة معهم بزّ ومتاع ، فتبصرتهم وما معهم وأتبعتهم حتى نزلوا ، فلما ناموا بيّتهم ، وأخذت من متاعهم . ثم إن القوم أخذوني ، وضربوني ضربا شديدا ، وجرّدوني - قال : وذلك في ليلة قرّة - وسلبوني كلّ قليل وكثير ، فتركوني عريانا ، وتماوتّ لهم ، وارتحل القوم ، فقلت : كيف أصنع ؟ ثم ذكرت قبر الرجل ، فأتيته ، فنزعت لوحه ، ثم احتفرت فيه سربا ، فدخلت فيه ، ثم سددت عليّ باللوح ، وقلت : لعلي الآن أدفأ [ 3 ] فأتبعهم . قال : ومرّ الرجل الذي تزوج بالمرأة في الرّفقة ، فمرّ بالقبر الذي أنا فيه ، فوقف عليه ، وقال لرفيقه : واللَّه لأنزلنّ إلى قبر فلان ، حتى أنظر هل يحمى الآن بضع فلانة ؟ قال شظاظ : فعرفت صوته فقعلت اللوح ، ثم خرجت عليه بالسيف من القبر ، وقلت : بلى ورب الكعبة لأحمينّها ، فوقع واللَّه على وجهه مغشيّا عليه ، لا يتحرّك ولا يعقل [ 4 ] . فسقط من يده خطام الراحلة ، فأخذت وعهد اللَّه بخطامها [ 4 ] فجلست عليها ، وعليها كلّ أداة وثياب ونقد كان معه ، ثم وجّهتها قصد مطلع الشمس هاربا من الناس ، فنجوت بها ، فكنت بعد ذلك أسمعه يحدّث الناس بالبصرة ، ويحلف لهم أن الميّت الذي كان منعه من تزويج المرأة خرج عليه من قبره بسلبه وكفنه . فبقي يومه ، ثم هرب منه ، والناس يعجبون منه فعاقلهم يكذّبه ، والأحمق منهم يصدقه ، وأنا أعرف القصة ، فأضحك منهم كالمتعجب . مغامرة أخرى لشظاظ قالوا : فزدنا ، قال : / فأنا أزيدكم أعجب من هذا وأحمق من هذا ؛ إني لأمشي في الطريق أبتغي شيئا أسرقه ، قال : فلا واللَّه ما وجدت شيئا ، قال : وكان هناك شجرة ينام من تحتها الركبان بمكان ليس فيه ظلّ غيرها ، وإذا أنا برجل يسير على حمار له ، فقلت له : أتسمع ؟ قال : نعم ، قلت : إن المقيل الذي تريد أن تقيله يخسف بالدوابّ فيه ، فاحذره ، فلم يلتفت إلى قولي . قال : ورمقته ، حتى إذا نام أقبلت على حماره ، فاستقته ، حتى إذا برزت به ، قطعت طرف ذنبه وأذنيه ، وأخذت الحمار ، فخبأته وأبصرته حين استيقظ من نومه ، فقام يطلب الحمار ، ويقفوا أثره ، فبينا

--> [ 1 ] في س : فخرجت . [ 2 ] أرض ملساء بين مكة والبصرة . [ 3 ] في هج : « لعلي الآن قد أفيق فألحقهم » . ( 4 - 4 ) تكملة من هد ، هج .